الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
372
تفسير روح البيان
من استرقه الكون لغرض نفسي ليس للحق فيه رائحة امر فان ذلك يقدح في عبوديته للّه ويجب عليه الرجوع إلى الحق تعالى قال بعض الكبار من ذم الدنيا فقد عق أمه لان جميع الأنكاد والشرور التي ينسبها الناس إلى الدنيا ليس هو فعلها وانما هو فعل أولادها لان الشر فعل المكلف لافمل الدنيا فهي مطية العبد عليها يبلغ الخير وبها ينجو من الشر فهي تحب أن لا يشقى أحد من أولادها لأنها كثيرة الحنو عليهم وتخاف أن تأخذهم الضرة الأخرى على غير أهبة مع كونها ما ولدتهم ولا تعبت في تربيتهم فمن عقوق أولادها كونهم ينسبون جميع افعال الخير إلى الآخرة ويقولون اعمال الآخرة والحال انهم ما عملوا تلك الأعمال الا في الدنيا فللدنيا أجر المصيبة التي في أولادها ومن أولادها فمن أنصف من ذمها بل هو جاهل بحق أمه ومن كان كذلك فهو بحق الآخرة أجهل وفي الحديث ( إذا قال العبد لعن اللّه الدنيا قالت الدنيا لعن اللّه أعصانا لربه ) وقال بعضهم طلب الثواب على الأعمال بحسن النيات والرغبة فيه لا يختص بالعامة بل لا يتحاشى عنه الكمل لعلمهم ان اللّه تعالى أنشأهم على أمور طبيعية وروحانية فهم يطلبون ثواب ما وعد اللّه به ويرغبون فيه اثباتا للحكم الا لهى فان المكابرة بالربوبية غير جائزة فهم مشاركون للعامة في طلب الرغبة ويتميزون في الباعث على ذلك فكان طلب العارفين ذلك لاعطاء كل ذي حق حقه ليخرجوا عن ظلم أنفسهم إذا وفوها حقها فمن لم يوف نفسه حقها فقد نزل عن درجة الكمال وكان غاشا لنفسه وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ اى كالمتاع الذي يتخذ من نحو الزجاج والخزف مما يسرع فناؤه يميل اليه الطبع أول ما رآه فإذا أخذه وأراد أن ينتفع به ينكسر ويفنى ( حكى ) انه حمل إلى بعض الملوك قدح فيروزج مرصعا بالجواهر لم يرله نظير وفرح به الملك فرحا شديدا فقال لمن عنده من الحكماء كيف ترى هذا قال أراه فقرا حاضرا ومصيبة عاجلة قال وكيف ذلك قال إن انكسر فهو مصيبة لا جبر لها وان سرق صرت فقيرا اليه وقد كنت قبل أن يحمل إليك في أمن من المصيبة والفقر فاتفق انه انكسر القدح يوما فعظمت المصيبة على الملك وقال صدق الحكيم ليته لم يحمل إلينا ثم كونها متاع الغرور والخدعة انما هو لمن اطمأن بها ولم يجعلها ذريعة إلى الآخرة واما من اشتغل فيها بطلب الآخرة فهي له متاع بلاغ إلى ما هو خير منها وهي الجنة فالدنيا غير مقصودة لذاتها بل لأجر الآخرة وفي الحديث نعم المال الصالح للرجل الصالح ( وفي المثنوى ) مال راكذ بهر حق باشى حمول * نعم مال صالح كفتش رسول فما شغل العبد عن الآخرة فهو من الدنيا ومالا فهو من الآخرة قال بعض الكبار ورد خطاب الهى يقول فيه خلقت الخلق لينظروا إلى مفاتيح الدنيا ومحاسن الناس فيؤديهم النظر في مفاتيح الدنيا إلى الزهد فيها ويؤديهم النظر في محاسن الناس إلى حسن الظن بهم فعكسوا القضية فنظروا إلى محاسن الدنيا فرغبوا فيها ونظروا إلى مساوى الناس فاغتابوهم ( حكى ) ان الشيخ أبا الفوارس شاهين بن شجاع الكرماني رحمه اللّه خرج للصيد وهو ملك كرمان فأمعن في الطلب حتى وقع في برية مقفرة وحده فإذا هو بشاب راكب على سبع وحوله سباع فلما